مؤيد الدين الجندي
406
شرح فصوص الحكم
فأثبت وجود الحق خلقا ، وأثبت وجود الخلق حقّا ، وشهدت أيضا الحق حقّا والخلق خلقا ، ولم يفتك إذ ذاك شهود ، فكنت أنت الحائز قصب السبق دونه ، فإنّ كل أحد ليس إلَّا هو وأنت تشهد الإنّيّات في الهويّات ، والهويات في الإنّيات جمعا وجمع جمع ، فأنت كما قال : فلا تفنى ولا تبقى ولا تفني ولا تبقي ولا يلقى عليك الوحي في « 1 » غير ولا تلقي إذ لا غير ، بل منك من كونك هو ، إليك من كونك أنت ، وذلك أنّك إذا كنت في مقامي الحقّية والخلقية ، والربوبية والعبودية معا ، غير حاصر ولا محصور ، بل مطلقا مطلقا ، فلا تفنى من كونك أحدهما أو هما معا في الآخر ، ولا تبقى على إنّيّة مخصوصة معيّنة خلقية أو حقّية بلا خلقية أو حقية ، وكان شهودك إذن أنّه لا يفنى الخلق عن الحق ، ولا يبقى الحق دون الخلق ، بل أثبتّهما واحدا لا معا في وجود واحد ، فافهم . وهذا غاية الحمد ، والحمد لله . قال - سلام الله عليه - : « الثناء بصدق الوعد ، لا بصدق الوعيد ، والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات » . يعني - رضي الله عنه « 2 » - : لمّا كان الثناء هو تعريف المثنى عليه بما هو عليه من النعوت ، فيصدق أن يكون التعريف بالمذموم أو بالمحمود ، ولكنّ الإلهية - من كونها أحدية جمع جميع الكمالات - لها مرتبة تطلب الكمال بالذات ، فتطلب الثناء بالمحمود في الوعد ، إذ لا يحمد موعد أو متوعّد على وعيده أو إيعاده . قال - رضي الله عنه - : « فيثنى على الحضرة الإلهية « 3 » بصدق الوعد لا بصدق الوعيد ، بل بالتجاوز * ( فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِه ِ رُسُلَه ُ ) * « 4 » ، لم يقل : ووعيده ، بل
--> « 1 » في بعض النسخ : من غير . « 2 » ف : سلام اللَّه عليه . « 3 » في بعض النسخ : فيثنى عليها بصدق الوعد . « 4 » إبراهيم ( 14 ) الآية 47 .